ابن رضوان المالقي

8

الشهب اللامعة في السياسة النافعة

وكان الأمراء والأغنياء يفرون بأموالهم من الأندلس بعد أن يعتصروا المال اعتصارا من أهلها من الجماهير ، ما أسموه بالغوغاء والدهماء ، بالمكوس الفادحة والضرائب العنيفة . وينصح ابن الخطيب أولاده بعدم اقتناء العقارات في الأندلس ، وذلك لأنه كان يعلم أن الأمر إما إلى الإسبان وإما إلى ثورة عاتية من الغوغاء تأتي على الأخضر واليابس . ولكن بالرغم من كل هذا ازدحمت مالقة وغرناطة بالعلماء - سواء من أهلها أو من الوافدين عليها - وازدهر فيهما أنواع من العلم الإسلامي - وهما في نهاية الدوامة القاعية لروح الحضارة الإسلامية . بينما كانت ( مدينة الإسلام ) تختفي وتبهت ، ظهرت الومضات التي كتب لها الخلود ، فكان هذا القرن ، قرن ابن الخطيب وابن خلدون - وفي هذا القرن ، وفي وسط تلك البيئة المنحلة العفنة العطنة ، ولد أبو القاسم عبد اللّه بن يوسف بن رضوان النجاري الخزرجي عام 718 ه في مدينة مالقة ، ونستنتج من اسمه أنه ينتسب إلى الخزرج ، قبيلة الأنصار - أنصار رسول اللّه ، والمشهورة في مطلع الإسلام - ونلاحظ أيضا أنه يشارك أمراء بني الأحمر في هذا النسب الأنصاري إذ أنهم من نسل سعد بن عبادة الصحابي الأنصاري ، وسيد الخزرج في عهد النبوة . ولكن لم تكن هناك صلة قرابة مباشرة بينه وبين بني الأحمر . لم يصرح بهذا أحد من المؤلفين القدامى ، ولم يصرح ابن رضوان به أيضا في كتاباته . وقد حدد لنا تلميذه ابن الأحمر أصول ابن رضوان القريبة يقول : شيخنا الفقيه الكاتب صاحب القلم الأعلى أبو القاسم عبد اللّه بن القائد الفقيه يوسف بن الفقيه القاضي الخطيب رضوان النجاري الخزرجي المالقي المعروف بابن رضوان « 7 » وهذا تأريخ دقيق لجده ولأبيه . فأما جده رضوان ، فقد كان عالما وفقيها . وكان من صالحي العلماء ، ولما عرض عليه الرئيس أبو سعيد أمير مالقة الوزارة ، أبى ونصح الأمير أن يولي أخاه محمدا واكتفى هو بالقضاء والخطابة . تولى أخوه الوزارة ، ويؤرخ ابن الأحمر هذا بقوله : وجده القريب رضوان ، ممن انحرف بالزهد عن العدوان ، ولي القضاء والخطابة . . . . . وسلك مسلك الصالحين ، وكان للأمراء من الناصحين . طلب منه جدي الأمير الرئيس أبو

--> ( 7 ) ابن الأحمر : كتاب مستودع العلامة ومبتدع العلامة ( تحقيق الأستاذ محمد بن تاويت التطواني ) ص 51 وانظر أيضا أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن وهو كتاب نثر الجمان في شعر من نظمني وإياه الزمان ( تحقيق الدكتور محمد رضوان الداية ) ص 234